وهبة الزحيلي
34
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فقوله تعالى : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم هذه القوى العظيمة ، ولكنهم ضيّعوها في غير ما خلقت لأجله . وإنما خصت هذه الجوارح بالذكر ؛ لأنها أداة العلم والفهم . ثم ذكر اللّه تعالى البرهان الثالث على كمال قدرته ، فقال : قُلْ : هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي وقل لهم أيضا : إن اللّه هو خلقكم وبثكم ووزعكم في أنحاء الأرض ، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم ، واختلاف ألوانكم وأشكالكم ، ثم إليه تجمعون بعد هذا التفرق والشتات ، فهو يجمعكم كما فرقكم ، ويعيدكم كما بدأكم للحساب والجزاء . وبعد أمر اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بتخويف الكفار بعذاب اللّه ، ذكر مقالة الكفار ومطالبتهم بتعيين وقت البعث استهزاء واستنكارا ، فقال : وَيَقُولُونَ : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ أي ويقول المشركون لمحمد والمؤمنين تهكما واستهزاء : متى يقع ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة ، والخسف والحاصب في الدنيا ، إن كنتم يا محمد والمؤمنون به صادقين فيما تدعونه ؟ فأخبرونا به ، أو فبيّنوه لنا . فأجابهم اللّه بقوله : قُلْ : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي قل لهم أيها النبي : إنما علم ذلك عند اللّه ، فلا يعلم وقت الساعة والعذاب على التعيين إلا اللّه عز وجل ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة ، فاحذروه ، وإنما أنا منذر لكم ، أنذركم وأخوّفكم عاقبة كفركم ، فعليّ البلاغ وقد أديته لكم . ثم وصف تعالى حال أولئك الكفار عند رؤية العذاب ، فقال :